التعاقد في الوظيفة العمومية المغربية



بقلم الأستاذ خالد الازهري
متصرف بقطاع التربية الوطنية
باحث في العلوم القانونية
للتواصل :
elazharikhalid1984@gmail.com


التعاقد في الوظيفة العمومية المغربية


تقديم

شكلت العلاقة الوظيفية داخل الإدارة موضوعا للنقاش الفقهي و القانوني بين المتخصصين محاولة منهم لإعطاء تفسيرات لهذه العلاقة و تحديد طبيعتها، مما أدى إلى ظهور نظريتين هما النظرية التنظيمية و النظرية التعاقدية[1]. وقد أثار موضوع التوظيف -أو التشغيل- بموجب عقود بالوظيفة العمومية نقاشا بين مختلف الأوساط المرتبطة بالإدارة العمومية خصوصا منها الأوساط النقابية، و التي  اعتبرت هذا النوع من الإجراءات سيؤدي إلى خوصصة الإدارة وجعلها تنحرف عن بعض المبادئ المرتبطة بالمرفق العام كمبدأ المساواة و مبدأ الاستمرارية، وكان مثار تجدد النقاش حول موضوع التعاقد داخل الوظيفة العمومية، التنصيص عليه صراحة في النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية في الفصل 6 مكرر[2] و عزم الحكومة إصدار المرسوم التطبيقي لهذا الفصل، ما يجعلنا نحاول مقاربة هذا الموضوع من خلال تحديد الأسس القانونية للتعاقد داخل الوظيفة العمومية باعتباره ممارسة معمول بها داخل الإدارة، بالإضافة إلى محاولة قراءة نموذج لعقد التوظيف و تحديد بعض ملامح المسار المهني للأعوان المتعاقدين.

التأسيس للتوظيف عن طريق التعاقد داخل الوظيفة العمومية

نص المنشور رقم 22 بتاريخ 07/08/1961 على التوظيف عن طريق التعاقد[3]، ويمكن اعتبار هذا المنشور هو الأساس القانوني المحدد لإجراءات التوظيف عن طريق التعاقد في الإدارة العمومية، وقد ميز هذا المنشور بين عقود التوظيف و العقود الوظيفية.

  1. عقود التوظيف.

نص المنشور على أن التوظيف بموجب عقد مسموح به فقط بالنسبة للإدارات التي لا تتوفر على أنظمة أساسية لموظفيها، كما حدد الشروط التي يجب أن تتوفر في الأشخاص الذين سيخضعون للتوظيف بناء على هذه العقود كشرط الشهادة، مع التنصيص على انطباق نفس الشروط الخاصة بالأجرة و الترقي المطبقة على الموظفين النظاميين على الأعوان المتعاقدين. أما فيما يخص مسطرة التوظيف فقد نص المنشور على ضرورة توجيه جميع الاقتراحات الخاصة بالتعاقد إلى الأمانة العامة للحكومة.

  1. العقود الوظيفية.

نص المنشور على العقود الوظيفية و التي خصصت لمناصب المسؤولية داخل الإدارة.

ماهية عقد التوظيف داخل الإدارة

  1. عقد التوظيف عقد قانون عام

لم ينص منشور الأمين العام للحكومة رقم 22 بتاريخ 07/08/1961 على الطبيعة القانونية لعقود التوظيف داخل الإدارة، هل هي عقود القانون العام أم عقود القانون الخاص، لكن و على عكس هذا الأخير فقد صدر منشور آخر لوزير الوظيفة العمومية رقم 38-63 بتاريخ 10 شتنبر1963[4] يحدد مسطرة الترقي بالنسبة للأعوان المتعاقدين مع الإدارات حيث جاء عنوانه مشتملا على عبارة”  Agents contractuels de droit  commun” مما يبين أن هذه الفئة من الأعوان خاضعة في علاقتها التعاقدية للقانون العام و ليس للقانون الخاص. وبالتالي فهذه العقود-عقود القانون العام- تعتبر عقودا للإدارة تخضع للأحكام القانون العام وهي التي يطلق عليها اصطلاحا العقود الإدارية[5]، تتجلى فيها امتيازات السلطة العامة و تظفر بها الإدارة بحقوق وتتحلى بامتيازات يحرم منها الطرف الأخر وتظهر هذه الامتيازات في تضمين العقد شروطا غير مألوفة في العقود المدنية[6].

  1. مقتضيات إدراج عقود التوظيف داخل الإدارة العمومية ضمن عقود القانون العام

من أهم نتائج اعتبار عقود التوظيف داخل الإدارة عقودا للقانون العام ما يلي:

  • وجود اختلال بين أطراف العقد لفائدة الإدارة

تتجلى عموما أوجه عدم التكافؤ داخل العقود الإدارية في سلطة تعديل بعض بنود العقد و التي تبقى رغم ذلك سلطة مقيدة، بالإضافة إلى سلطة فسخ العقد في حالة الخطأ الجسيم بالإضافة إلى سلطة الرقابة المسندة للإدارة و التي ترتكز على فكرة ارتباط العقد الإداري بنشاط مرفق عام[7].

  • المحكمة المختصة في البث في منازعات عقود التوظيف

نصت المادة 8 من قانون المحاكم الإدارية[8] على اختصاص هذه الأخيرة في البث في المنازعات المرتبطة بالعقود الإدارية حيث جاء فيها ما يلي: “تختص المحاكم الإدارية، مع مراعاة أحكام المادتين 9 و11 من هذا القانون، بالبت ابتدائيا في…وفي النزاعات المتعلقة بالعقود الإدارية…”

  1. عناصر عقد التوظيف[9]

يتكون عقد للقانون العام من عدة مواد تبين القواعد العامة المرتبطة بالعلاقة التعاقدية بين العون[10] و الإدارة ومن أهم ما يشتمل عليه العقد :

أطراف العقد: يبرم العقد من طرف الوزير أو رئيس الإدارة من جهة و العون من جهة أخرى.

موضوع العقـد و تاريخ سريانـه: تحدد المـادة الأولـى من العقد موضوعه و تاريخ سريانـه كما تحدد المهام المسندة للمتعاقد.

مـدة العقـد وتجديـده: تحدد المادة 2 من العقد مـدته و مسطرة تجديـده و الإخطار المسبـق من أطراف العقد في حالة فسخ العقد

الراتــب و التعويضــات: تحدد المـادة 3 من العقد الراتــب الذي سيتقاضاه المتعاقد وفق سلم أجور معين و رتبة محددة بناء على رقم استدلالي محدد زيادة على ذلك جميع التعويضات الإضافية التي يمكن أن تخول للموظفين الذين هم في نفس الوضعيـة .

نفقــات  الإقامــــة و التنقـــل: تنص المادة 4 على استفادة المتعاقد بمناسبة تنقله أو عن انتقالـه من أجل المصلحة من التعويضات في نطاق الشـروط المحددة في النظام العام الجاري به العمل المطبق على الموظفين المستفيدين من نفس الرقم الاستدلالي.

الاستفادة من الرخص المرضية: تنص المادة 5 على الإذن بالتغيب لأسباب صحيــة في حالة ثبـوت إصابة المتعاقـد بمرض يجعله غير قادر على مزاولـة مهامـه، وأقصى مدة لهذه الرخصة هي ثلاث أشهر يتمتع المتعاقد خلالها بكامل مرتبه وعند انتهاء هذه المدة يمكنه الإستفادة من ثلاث أشهر أخرى بنصف المرتب مع الإحتفاظ بكامل التعويضات العائلية ويتعين أن تتم هـذه الرخـص خلال أثني عشر شهرا  متوالية. وعند انتهاء مدة ستة أشهر ، ولم يستطيع المتعاقد مزاولة عمله ، يوضع حـد لعقده بدون إشعار مسبق ودون تعويـض وللإدارة الحق في أن تطالب بإجراء فحص طبي مضاد بواسطة طبيب محلف أو بإجراء خبرة طبيـة.كما تمنح رخصة عن الولادة مدتـها أربعة عشر أسبوعا بالنسبة للمتعاقدات.

حوادث الشغل: تحدد المادة 6 من العقد أنه وفي في حالة وقوع حادثة شغـل فإن المتعاقد يتمتـع بالمقتضيات القانونية الجاري يها العمل بالنسبة لباقي الموظفين.

التقاعد: تنص المادة 7 على أن يسـتفيــد المتعاقد من معاش للتقاعد وفقا للنصوص القانونية المحدثة للنظـام الجماعـي لمنح رواتب التقاعـد.

التزامات المتعاقد: تحدد المادة 8 التزامات المتعاقد والتي منها القيام بالواجبـات التي تفرضها المهام المسندة إليه والحفاظ على السريـة المطلقة بالنسبة للأعمال والأخبار والوثائق التي يطلع عليها بحكم مزاولتـه لمهامه سواء أثناء انتدابه للقيام بها أو عنـد انتهاء مدة العقـد، وعـدم ممارسـة أي نشاط لـه مردود مالـي سواء كان ذلـك بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

فسخ العقـد: تنص المادة 9 أنه يمكن فسخ العقد بدون سابق إشعار ودون أي تعويض بعد توقيعه وقبوله  أو أثناء تنفيذه وذلك إذا لم يلتحق المتعاقد بمقر عملـه خلال الأجل المحدد له من طرف الإدارة أو إذا تعرض المتعاقد لمحاكمة أدت إلى عقوبـة نهائية من أجـل أسباب مخلـة بالشرف وفي حالة إذا ثبوت أخطاء مهنيـة خطيـرة في حـقـه أو كان يعمل لمصلحة الغير.

تسويــة الخلافــات : تحدد المـادة  10 مسطرة تسوية الخلافـات الناتجـة عـن تنفيذ العقـد و ارجاع البث فيها إلى المحاكـم المغربية المختصـة.

المصادقة على العقد: تنص المادة 11 من العقد أنه لا يجري العمل بهذا العقد إلا بعد المصادقة عليه من طرف مصالح وزارة الوظيفة العمومية وتحديث الإدارة ووزارة الاقتصاد والماليـة.

وعموما يلاحظ ان بنود العقد تحيل عى مجموعة من النصوص القانونية المطبقة على الموظفين النظاميين و تمتيع العون المتعاقد ببعض الامتيازات التي يستفيد منها الموظفون النظاميون مع حرمان المتعاقد من الضمانات التأديبية التي تنص عليها القوانين الجاري بها العمل في الوظيفة العمومية خلال تحريك مسطرة التأديب ضد الموظف[11].

  1. المسار المهني للمتعاقد

  • الترقي في الرتبة و الدرجة

وضع المنشور[12] رقم 38-63 بتاريخ 10 شتنبر1963  الأسس الخاصة بالترقية في الرتبة و الدرجة حيث نص على أحقية المتعاقدين في إطار القانون العام في الترقي في الدرجة و الرتبة بناء على النصوص الجاري بها العمل و المطبقة على الموظفين النظاميين.

كما حدد المنشور[13] الصادر عن وزير تحديث القطاعات العامة رقم 09-09 بتاريخ 25 يوليوز 2009 الإجراءات المطبقة على المتعاقدين داخل الإدارة خلال مسارهم المهني معهم يستفيدون من الترقية فقي الدرجة و الإطار اسوة بالموظفين النظاميين طبقا للمرسوم رقم 2.04.403.

  • ولوج مناصب المسؤولية

نص المرسوم رقم2.11.681 الصادر بتاريخ 27 دجنبر 2011 على إمكانية إسناد مناصب المسؤولية للمتعاقدين وفق الشروط محددة[14].

  • التقاعد

 نص الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.77.216 بتاريخ 20 شوال 1397( 4 أكتوبر 1977 ) المتعلق بإحداث نظام جماعي لمنح رواتب التقاعد[15] على أن  المستخدمين المتعاقدين الجاري عليهم الحق العام والمستخدمين المؤقتين و المياومين والعرضيين العاملين مع الدولة والجماعات المحلية يطبق عليهم هذا النظام وجوبا.

  • تجديد العقود.

بعض النظر عن القواعد العامة التي تؤطر  تجديد العقود وخصوصا جعل التجديد يخضع لرغبة المتعاقدين فقد  نص المنشور رقم 16.96 على مسطرة تمديد صلاحية العقود الخاضعة للقانون العام بالتنصيص على أنها  تجدد تلقائيا[16].

خاتمة.

بقراءة متأنية للمادة 6 مكرر من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية يبدو أن التوجه الجديد داخل الإدارة العمومية بدأ ينحو باتجاه تطوير تجربة التعاقد داخلها، و التوجه نحو عقود التشغيل عوض التعاقد بناء على القانون العام، مما سيغير لا محالة من تجربة عقود التوظيف المعمول بها داخل الإدارة أو على الأقل خلق نظام جديد للتعاقد يسمح باستقطاب الأطر المكونة ذات التجربة العالية في تخصص معين وهذا ما يدفع إلى التساؤل عن الماهية القانونية لعقود التشغيل؟ و هل ستكون هذه العقود خاضعة لقانون الشغل؟ و ما هي المحاكم التي ستختص بالفصل في النزاعات التي قد تطرأ عند تنفيذ عقود التشغيل؟ علما أن بعضا من هذه التساؤلات قد يجد له جوابا في المادة 6 مكرر المذكورة أنفا و التي جاء فيها ما يلي: “يمكن للإدارات عند الاقتضاء أن تشغل أعوانا بموجب عقود وفقا الشروط و الكيفيات المحددة بموجب مرسوم” وبالتالي استعمال مصطلح تشغيل عوض توظيف قد يحيل الى قانون الشغل كما إضافة نفس المادة” لا ينتج عن هذا التشغيل في أي حال من الأحوال حق الترسيم في أطر الإدارة[17]” مما يبين أن التجربة الجديدة لعقود التشغيل داخل الادارة لن تسير وفق ما هو معمولا به حاليا.

الهوامش :

[1] محمد الأعرج، القانون الإداري ج2، سلسلة مواضيع الساعة، العدد 74 مكرر، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية، الطبعة الثالثة، 2011، الصفحة  96و97.

[2] القانون رقم 50.05 ج ر عدد 5944 بتاريخ 19 ماي 2011

[3] منشور بموقع وزارة الوظيفة العمومية و تحديث الإدارة  BDJ.MMSP.GOV.MA

[4] منشور بموقع وزارة الوظيفة العمومية و تحديث الإدارة  BDJ.MMSP.GOV.MA

[5] أعطيت عدة تعاريف للعقود الإدارية بناء على عدة معايير من أهمها المعيار القضائي و الذي حدد العقد الإداري من خلال ثلاثة عناصر: 1-أن يكون أحد طرفي العقد من أشخاص القانون العام 2-اتصال العقد بنشاط مرفق عام 3- احتواء العقد على شروط استثنائية.

[6] محمد الأعرج، القانون الإداري ج1، سلسلة مواضيع الساعة، العدد 74، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية، الطبعة الثالثة، 2011، الصفحة 236و237.

[7]  محمد الأعرج، المرجع السابق، ص 258-261

[8]  قانون المحاكم الإدارية رقم 41.90 جريدة رسمية عدد 4227 بتاريخ 18 جمادى الأولى 1414 ( 3 نوفمبر 1993)، ص 2168.

[9]  نموذج عقد للقانون العام منشور بموقع تدبير الموارد البشرية،RGRH.MMSP.GOV.MA

[10]لا يمكن استعمال كلمة موظف بالنسبة للأشخاص العاملين بالإدارات العمومية في إطار عقد لان صفة موظف لا تطلق إلا على كل من استوفى الشروط المحددة في الفصل 2 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية.

[11] الفصل 67 من الظهير الشريف رقم 1.58.008 بشأن النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، ج ر عدد 2372 بتاريخ 11 ابريل 1958 صفحة 914.

[12] منشور بموقع وزارة الوظيفة العمومية و تحديث الإدارة  BDJ.MMSP.GOV.MA

[13] منشور بموقع وزارة الوظيفة العمومية و تحديث الإدارة  BDJ.MMSP.GOV.MA

[14] جريدة رسمية عدد 6007.

[15] ظهير شريف بمثابة قانون رقم 1.77.216 بتاريخ 20 شوال 1397( 4 أكتوبر 1977 ) يتعلق بإحداث نظام جماعي لمنح رواتب التقاعد الجريدة الرسمية عدد 3389-bis بتاريخ 13/10/1977 الصفحة  3007.

[16]  المنشور رقم 16-96 بتاريخ 09 دجنبر 1996

القانون رقم 50.05 ج ر عدد 5944 بتاريخ 19 ماي 2011[17]



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

MarocDroit - موقع العلوم القانونية

القانونية

الأرشيف